منير سلطان
122
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
عند الباقلاني أن « نظم القرآن » خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم مباين للمألوف من ترتيب خطابهم ، وله أسلوب يختص به ، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتادة « 1 » . وفي البيان ، يقول الجاحظ « أنه سيذكر في الجزء الثاني منه أقسام تأليف جميع الكلام ، وكيف خالف القرآن جميع الكلام الموزون المنثور ، وهو موزون غير مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع ، وكيف صار نظمه من أعظم البرهان وتأليفه من أكبر الحجج » « 2 » . فلولا التعصب الذهبي لأكمل الباقلاني طريق الجاحظ ، ولاعترف بفضله وبما اقتبس منه ، وبما تأثره فيه ، ولكل كاتب عيوب ، ولكن التعصب يفوق كل العيوب . [ ثانيا ] الباقلاني والرماني : وأما عن الرماني ، فقد قال الباقلاني « ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام : الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان ، فأما الإيجاز ، فإنما يحسن مع ترك الإخلال باللفظ ، فيأتي باللفظ القليل الشامل لأمور كثيرة ، وذلك ينقسم إلى حذف وقصر ، والحذف الإسقاط للتخفيف ، كقوله « وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » وقوله « طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ » وحذف الجواب كقوله « ولو أن قرأنا سيرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كلّم به الموتى » كأنه قيل : لكان هذا القرآن . . . الخ « 3 » . وهذا النص صاحبه أبو الحسن علي بن عيسى الرماني ( 296 ه - 384 ه ) صاحب كتاب النكت في إعجاز القرآن ، وهو معتزلي ، فأنف الباقلاني أن يذكر اسمه ، واكتفى بأن نقل ما جاء في كتابه ، ولو كان دقيقا في نقله لهان أمر تغاضيه عن اسم الرماني ، ولكنه نقل وآثر أن يختصر بصورة قريبة من التشويه » .
--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 35 . ( 2 ) الجاحظ - البيان والتبيين - 1 / 393 . ( 3 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 262 .